تسجيل الشركات الأجنبية في العراق بين المدّ والجزر

تسجيل الشركات الأجنبية في العراق بين المدّ والجزر

شركة النسور للمحاماة والاستشارات القانونية · ٢ أيار ٢٠٢٦

مسار قانوني متقلب بين التشدد والاستثناءات

شهد ملف تسجيل الشركات الأجنبية في العراق خلال السنوات الأخيرة تحولات قانونية وإدارية متباينة، جعلته من أكثر الملفات الاستثمارية والتجارية إثارة للجدل، نتيجة تعدد التعليمات وتغير الضوابط بين التشدد تارة والتخفيف تارة أخرى، بما انعكس بصورة مباشرة على بيئة الأعمال وآليات دخول الشركات الأجنبية إلى السوق العراقية.

بدأت المرحلة الأبرز في هذا الملف مع صدور نظام فروع الشركات الأجنبية رقم (2) لسنة 2017، الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لعمل الشركات الأجنبية داخل العراق، إذ نصت المادة (14/أولاً) منه على حظر ممارسة أي نشاط تجاري داخل البلاد ما لم يتم تسجيل فرع رسمي للشركة الأجنبية في العراق. وقد مثّل هذا النص نقطة تحول رئيسية باتجاه تنظيم الوجود الأجنبي تجارياً وقانونياً.

وفي السياق ذاته، عززت الأمانة العامة لمجلس الوزراء هذا التوجه عبر كتابها المرقم (ق/2/1/5/42/3488) الصادر في 30/10/2017، والذي أكد سريان هذا الحكم على جميع الشركات الأجنبية التي تمارس نشاطاً تجارياً داخل العراق وفقاً لأحكام القانون.

لكن هذا التشدد لم يستمر بصورة مطلقة، إذ أصدرت دائرة تسجيل الشركات في وزارة التجارة في العام نفسه كتابها المرقم (37427)، الذي استثنى الشركات الأجنبية التي تقتصر أعمالها على عقود تجهيز فقط، طالما أن تلك العقود لا تتطلب وجوداً فعلياً داخل العراق، وهو ما فتح الباب أمام تفسير أكثر مرونة لطبيعة النشاط التجاري الملزم بالتسجيل.

وفي عام 2023، عاد الاتجاه نحو التشدد مجدداً مع صدور نظام رقم (4) لسنة 2023، حيث ألزم الشركات الأجنبية الراغبة في تقديم عطاءات رسمية بتسجيل فرع لها في العراق خلال مدة لا تتجاوز 15 يوماً من تاريخ التبليغ بالإحالة، وإلا اعتبرت ناكلة.

غير أن هذا المسار شهد تراجعاً جزئياً بعد أقل من ثلاثة أشهر، عندما أصدرت الأمانة العامة لمجلس الوزراء في 24/12/2023 توجيهاً جديداً نص على أن الشركات الأجنبية التي لديها عقود تجهيز فقط لا تُلزم بتسجيل فرع لها.

أما في عام 2025، فقد جاء التعديل الثاني للنظام بموجب نظام رقم (1) لسنة 2025 ليحسم جانباً من الجدل، حيث أضاف البند (ثالثاً) إلى المادة (14)، مستثنياً الشركات الأجنبية المتعاقدة لتجهيز السلع والخدمات من شرط تسجيل الفرع، إلا إذا كان العقد يتضمن تقديم خدمات داخل العراق لمدة سنة واحدة أو أكثر.

ويكشف هذا التسلسل التشريعي أن سياسة العراق تجاه تسجيل الشركات الأجنبية مرت بموجات متعاقبة من المد والجزر، بين تشديد يهدف إلى ضبط النشاط التجاري الأجنبي وتنظيمه، وتخفيف يرمي إلى تسهيل التعاقدات التجارية.

يرى مختصون أن هذا التذبذب في التعليمات قد يخلق تحديات أمام المستثمرين، مما يجعل الحاجة ملحة إلى إطار تشريعي أكثر استقراراً ووضوحاً.