المادة 14 من نظام الشركات الأجنبية: بين الحظر وحق التقاضي

المادة 14 من نظام الشركات الأجنبية: بين الحظر وحق التقاضي

المحامي فرات كبه · ٩ نيسان ٢٠٢٦

صدر عن محكمة استئناف بغداد/الرصافة قرارٌ قضى بتأييد حكم محكمة البداءة المختصة بالدعاوى التجارية، والذي انتهى إلى رد دعوى شركة أجنبية غير مسجلة في العراق كفرع أو مكتب تمثيلي، وغير ممثلة بواسطة وكيل تجاري، استنادًا إلى أحكام المادة (14/أولًا) من النظام رقم (2) لسنة 2017، والتي تنص على:

"يحظر على الشركة الأجنبية ممارسة أي نشاط تجاري أو فتح مقر لها في العراق إذا لم تمنح إجازة تسجيل وفقًا لأحكام هذا النظام."

وبناءً على ذلك، تم رد دعوى الشركة الأجنبية المقامة أمام المحاكم العراقية للمطالبة بحقوقها.

أولًا: الإشكالية القانونية في تفسير النص

يثير هذا التوجه القضائي إشكالية قانونية مهمة، تتمثل في أن الحظر الوارد في النص المذكور إنما ينصرف إلى ممارسة النشاط التجاري أو فتح مقر داخل العراق، ولا يمتد – من حيث الأصل – إلى حرمان الشركة الأجنبية من حق التقاضي.

فمنع الشركة الأجنبية غير المسجلة من ممارسة النشاط التجاري لا يستتبع بالضرورة حرمانها من اللجوء إلى القضاء، إذ إن التوسع في تفسير النص على هذا النحو يُعد محل نظر من الناحية القانونية، لكونه يمس حقًا أساسيًا لا يجوز تقييده إلا بنص صريح وواضح.

ثانيًا: حق التقاضي في ضوء الدستور العراقي

إن هذا التوسع في تفسير المادة (14/أولًا) يتعارض مع أحكام الدستور العراقي، ولا سيما المادة (19/ثالثًا) منه، والتي نصت على أن:

"التقاضي حق مصون ومكفول للجميع."

وهو نص عام يشمل جميع الأشخاص، طبيعيين كانوا أم معنويين، وطنيين أو أجانب. وحق التقاضي من الحقوق الأساسية التي لا يجوز الحد منها أو تقييدها إلا بنص صريح، كما أن الأصل في النصوص التي تقيد الحقوق هو عدم التوسع في تفسيرها.

ثالثًا: الآثار العملية لهذا التفسير

إن الأخذ بهذا الاتجاه يؤدي إلى نتائج سلبية على المستوى القانوني والاقتصادي، إذ ينطوي على إجحاف بحقوق الأشخاص المعنوية الأجنبية التي قد تكون لها مصالح مشروعة وحقوق قائمة داخل العراق، سواء كانت مسجلة أم غير مسجلة.

كما أن من شأن هذا التفسير أن يُظهر العراق كبيئة غير جاذبة للاستثمار، ويؤثر سلبًا على ثقة الشركات الأجنبية في التعامل مع الجهات العراقية، لا سيما إذا كان مصير حقوقها التعاقدية أو المالية مهددًا بعدم إمكانية المطالبة بها قضائيًا.

رابعًا: التطبيق العملي والاستثناءات الواقعية

لا خلاف في أن حظر ممارسة النشاط التجاري للشركات الأجنبية غير المسجلة هو أمر مفهوم ومقبول من حيث المبدأ، بوصفه وسيلة لتنظيم السوق وضمان الامتثال القانوني. إلا أن التطبيق العملي يُظهر وجود حالات تتعامل فيها الجهات العراقية، بما فيها الجهات الحكومية، مع شركات أجنبية غير مسجلة، ولا سيما في عقود التجهيز المباشر.

وهنا يبرز التساؤل: إذا نشأ نزاع عن مثل هذه العقود، فهل يُعقل حرمان تلك الشركات من اللجوء إلى القضاء رغم وجود علاقة قانونية أو تعاقدية قائمة؟

خامسًا: تساؤلات قانونية مشروعة

يثور أيضًا تساؤل مهم بشأن الشركة الأجنبية التي كانت مسجلة أصوليًا وحاصلة على إجازة تسجيل، ثم انتهت مدة تسجيلها أو لم تقم بتجديده. فهل تُعد في هذه الحالة فاقدة لشخصيتها المعنوية، وبالتالي تُحرم من حقها في المطالبة القضائية؟

إن الأخذ بهذا الاتجاه يؤدي إلى نتائج غير منطقية، ولا ينسجم مع مبادئ العدالة أو مع الطبيعة القانونية للشخصية المعنوية للشركة الأجنبية.

كذلك، فإن العراق يتعامل مع عدد كبير من الشركات العالمية التي تقدم منتجات وخدمات حيوية، ومنها شركات الأجهزة الطبية وغيرها من الشركات المتخصصة، وهذه الشركات قد لا ترغب بفتح فروع لها داخل العراق لأسباب تنظيمية أو تجارية. وإن اشتراط التسجيل كشرط لممارسة حق التقاضي قد يدفع هذه الشركات إلى الامتناع عن التعامل مع السوق العراقية من الأساس.

الخلاصة

لذلك، فإن إعادة النظر في تفسير وتطبيق أحكام المادة (14) من النظام رقم (2) لسنة 2017 أصبحت ضرورة قانونية وعملية، بما يحقق التوازن بين تنظيم النشاط التجاري من جهة، وحماية حق التقاضي من جهة أخرى، وبما ينسجم مع أحكام الدستور العراقي، ويخدم المصلحة العامة، ويعزز بيئة الاستثمار في العراق.

المحامي فرات كبه
شركة النسور للمحاماة والاستشارات القانونية