يشكل التحول الرقمي والأتمتة اليوم أحد أهم معايير تطوير الإدارة العامة في مختلف دول العالم، لما يحققانه من تبسيط للإجراءات، وتسريع لإنجاز المعاملات، وتقليل للكلف والجهد، وتعزيز للشفافية والحد من الأخطاء البشرية. ومن هذا المنطلق، فإننا نؤمن بأن الأتمتة ليست خياراً ترفياً، بل ضرورة تفرضها متطلبات الإدارة الحديثة، ونؤيد جميع المبادرات الحكومية الرامية إلى تطبيقها وتطويرها.
إلا أن نجاح أي مشروع للتحول الرقمي لا يقاس بمجرد استبدال المعاملات الورقية بإجراءات إلكترونية، وإنما يقاس بمدى تحقيقه للغاية التي وجد من أجلها، وهي خدمة المواطن. فإذا لم تؤدِّ الأتمتة إلى اختصار الوقت، وتقليل الجهد والكلفة، وتحسين جودة الخدمة، فإن التطبيق يحتاج إلى مراجعة وتطوير، لأن التكنولوجيا ليست غاية بحد ذاتها، وإنما وسيلة لخدمة الإنسان.
وعندما نتحدث عن خدمة المواطن، فإن المقصود لا يقتصر على الشخص الذي يراجع الدائرة الحكومية بنفسه، وإنما يشمل أيضاً المحامي الذي يمثله قانوناً ويتولى إنجاز معاملاته أمام الجهات الرسمية. فالمحامي ليس طرفاً خارج منظومة الخدمة، بل هو الامتداد القانوني للمواطن، وأي تعقيد أو تأخير يواجهه سينعكس بصورة مباشرة على حقوق موكله ومصالحه.
ومن خلال الممارسة العملية، يلاحظ العديد من المحامين أن تطبيق الأتمتة في دائرة تسجيل الشركات، بصيغته الحالية، لم يحقق بعد النتائج التي كانت متوقعة منه. فبدلاً من أن تكون الأتمتة وسيلة لاختصار الإجراءات، أصبحت في بعض الحالات سبباً في إطالة مدة إنجاز المعاملات وزيادة الأعباء الإدارية، الأمر الذي يستدعي تقييماً موضوعياً للتجربة والاستفادة من ملاحظات المحامين والمراجعين الذين يتعاملون مع النظام بصورة يومية.
ولكي يكون هذا التقييم منصفاً، ينبغي مقارنة الواقع الحالي بما كان معمولاً به قبل تطبيق النظام الإلكتروني. فقد كانت معاملات تأسيس الشركات أو تسجيل فروع الشركات الأجنبية تُنجز ورقياً بكفاءة وسرعة ملحوظة. وكان المحامي يقدم المعاملة إلى الموظف المختص، فيتم تدقيقها خلال فترة وجيزة، ويُبلغ مباشرة بأي نقص أو ملاحظة، مما يتيح له استكمالها فوراً بالتواصل مع موكله أو مع الجهات ذات العلاقة، لتنتهي المعاملة في كثير من الأحيان خلال ساعات قليلة.
أما اليوم، فقد أصبح اكتشاف النواقص يستغرق أياماً، وربما أسابيع، نتيجة تعدد مراحل التدقيق الإلكتروني وفترات الانتظار، وهو ما انعكس على مدة إنجاز المعاملات، وزاد من الكلفة والجهد على المواطن والمحامي معاً. وهذه الملاحظة لا تعني رفض الأتمتة أو الدعوة إلى العودة للنظام الورقي، وإنما تعني أن التطبيق الحالي يحتاج إلى تطوير حتى يحقق الأهداف التي أُنشئ من أجلها.
ونؤكد في هذا السياق أننا ندعم التحول الرقمي بكل قوة، وندعو إلى تعميمه في جميع مؤسسات الدولة، لكننا نرفض أن يكون سبباً في حرمان المواطن أو من يمثله قانوناً من مراجعة الدوائر الحكومية أو دخولها. فمن غير المقبول أن يتحول الدخول إلى دائرة تسجيل الشركات أو أي دائرة حكومية أخرى إلى امتياز تمنحه الإدارة أو تمنعه، لأن هذه المؤسسات وجدت لخدمة المواطنين، وهي مؤسسات عامة تمول من المال العام، وبالتالي فإن حق الوصول إليها والتواصل مع موظفيها عند الحاجة هو حق أصيل لا يجوز الانتقاص منه.
إن التحول الرقمي ينبغي أن يسهل الوصول إلى الخدمة، لا أن يقيم حواجز بين المواطن والإدارة. فالتواصل المباشر عند الحاجة لا يتعارض مع الأتمتة، بل يشكل جزءاً من نجاحها، ويمنح الإدارة فرصة لمعالجة المشكلات التي قد لا يستطيع النظام الإلكتروني وحده معالجتها.
ومن وجهة نظرنا، فإن التطبيق الأمثل للأتمتة هو التطبيق التدريجي والمدروس. ونثمن الخطوات التي اتخذتها دائرة تسجيل الشركات في أتمتة بعض الخدمات، مثل تصديق وثائق الشركات وعدد من إجراءات التأسيس، ونرى أن هذا النهج المرحلي هو الأسلوب الأكثر نجاحاً، بحيث يتم تقييم كل مرحلة، ومعالجة الملاحظات التي تظهر خلالها، ثم الانتقال تدريجياً إلى مراحل جديدة بعد التأكد من جاهزية النظام وكفاءته.
وفي المقابل، يجب أن يبقى حق المواطن والمحامي في مراجعة الدائرة والدخول إليها مكفولاً بصورة كاملة، لأن التحول الرقمي لا يمكن أن يكون بديلاً عن التواصل المباشر في جميع الحالات، ولا يجوز أن يستخدم ذريعة لتقييد هذا الحق أو الحد منه.
إن الإدارة الحكومية الحديثة لا تقاس بعدد الخدمات الإلكترونية التي تقدمها فحسب، وإنما بقدرتها على الاستماع إلى ملاحظات المواطنين والمحامين، والاستفادة منها في تطوير الأداء وتحسين جودة الخدمة. فالمراجع ليس خصماً للإدارة، وإنما شريك في نجاحها، والنقد الموضوعي يمثل فرصة للتطوير، لا سبباً للمواجهة.
وفي النهاية، يبقى المعيار الحقيقي لنجاح أي مشروع للتحول الرقمي سؤالاً بسيطاً وواضحاً:
هل أصبحت معاملة المواطن تُنجز بسرعة أكبر، وبجهد أقل، وكلفة أقل، مع الحفاظ الكامل على حقه في الوصول إلى مؤسسات الدولة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد حققت الأتمتة رسالتها. أما إذا كانت الإجابة غير ذلك، فإن الواجب يقتضي مراجعة التطبيق وتطويره، لأن الهدف من الأتمتة هو خدمة المواطن، وليس أن يصبح المواطن في خدمة النظام الإلكتروني.