العملات الرقمية المشفرة في العراق بين الإدارة والتشريع
أصدر البنك المركزي العراقي تعميماً ٢٢/١١/٢٠٢١ يحظر بموجبه على المصارف والمؤسسات المالية الخاضعة لرقابته التعامل بأي شكل من الأشكال بالعملات الافتراضية أو المشفرة. كما أكد البنك على عدم وجود أي التزام قانوني لتبديل قيمتها مقابل نقود صادرة عن الحكومات أو سلع عالمية مثل الذهب. جاء هذا القرار بسبب المخاطر الكبيرة المرتبطة بهذه العملات، وعدم خضوعها لأي تشريعات قانونية أو رقابية أو فنية في العراق. وفي ٢٦ /٣/ ٢٠٢٢ أكد البنك المركزي على التعميم المرقم ( 125/5/9) بضرورة الاستمرار في حظر جميع أشكال وأنشطة الأصول الافتراضية في العراق، بما يتماشى مع توصيات مجموعة العمل المالي (FATF). كما أصدر البنك دليلاً إرشادياً للمؤسسات المالية حول مخاطر التعامل بالعملات الافتراضية ومزودي خدماتها، بهدف تمكين هذه المؤسسات من مراجعة سياساتها الداخلية وإجراءات العمل لضمان الامتثال للتعاميم الصادرة. وشدد على منع استخدام البطاقات والمحافظ الإلكترونية لغرض المضاربة والتداول بالعملات الرقمية بجميع أنواعها. كما طالب البنك المركزي المصارف والمؤسسات المالية غير المصرفية وشركات الدفع الإلكتروني بالالتزام بما يلي:
1. اتخاذ كافة التدابير الإدارية والقانونية والفنية اللازمة لمنع وتتبع هذه الأنواع من المعاملات
2. توعية الزبائن بالمخاطر والإجراءات التي سيتم اتخاذها بحقهم بموجب القوانين والتعليمات النافذة والمتعلقة بهذه المعاملات والتداولات.
وفي حال عدم الالتزام بهذه التعليمات، سيتم اتخاذ كافة الإجراءات القانونية الصارمة تجاه المؤسسات والزبائن بموجب قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم (39) لسنة 2015 والتعليمات الصادرة بموجبه.
عالم العملات الرقمية في العراق: اقتصاد منفصل عن الواقع
في فضاء الإنترنت، ينشغل آلاف الشباب العراقيين في تعدين العملات الرقمية وتبادل المعلومات والنصائح حولها، محققين أرباحاً كبيرة مكّنت بعضهم من شراء منازل أو تأسيس مشاريع تجارية تمتد من الصين إلى الولايات المتحدة. هؤلاء الشباب يعيشون في عالم موازٍ، حيث ، يركزون على الأرقام والرسوم البيانية التي تحكم عالم العملات الرقمية، غيرُ مكترثين بما يصدره المركزي من تعاميم
التعدين والمحافظ الرقمية
يُعرف التعدين بأنه عملية حل معادلات رياضية معقدة تُتيح إنشاء العملات الرقمية، ويتم ذلك باستخدام كروت الشاشة أو برامج متخصصة مثل "ماينر". أما المحافظ الرقمية، فهي أدوات لتخزين وإدارة العملات بطريقة شبيهة بالحسابات البنكية، وتعتمد العملات الرقمية على تقنية "بلوكتشاين" التي تضمن أمان وشفافية العمليات. وتتحدد قيمة العملات استناداً إلى مستوى التداول؛ فقد ارتفعت قيمة "البيتكوين" من 0.03 سنت في عام 2009 إلى 47,300 دولار في عام 2022، قبل أن تشهد انخفاضًا حاداً ثم تعود للارتفاع لتصل إلى 85,859.53 دولار. وفي العراق، يفضّل المعدّنون تعدين "الإيثيريوم" حيث يقوم كل منهم بتجهيز غرفة خاصة مجهزة بالكهرباء والتبريد واستخدام كروت شاشة قوية تعمل معًا لتوليد حوالي 2.5 دولار يومياً لكل وحدة. ومع انتقال الإيثيريوم إلى آلية إثبات الحصة (PoS) في 2022، تحول العديد من المعدّنين إلى تعدين عملات تعتمد على آلية إثبات العمل (PoW) مثل البيتكوين، Ravencoin (RVN) وEthereum Classic (ETC)، حيث يستخدمون أجهزة ASIC وأجهزة GPU معاد تدويرها، رغم تكثيف الحكومة لإجراءات الحظر ومصادرة أكثر من 5000 جهاز تعدين في 2023.
تجارب عالمية في تنظيم العملات الرقمية
على الصعيد الدولي، تتباين المقاربات التنظيمية تجاه العملات الرقمية؛ فقد سمحت دول مثل الولايات المتحدة وكندا وسويسرا والإمارات بتداولها وفق أطر تنظيمية محددة. بينما اتخذت جزر مارشال خطوة جريئة بجعل إحدى العملات الرقمية عملة رسمية بديلة للدولار. كما أطلقت الإمارات استراتيجية "بلوكتشاين" في عام 2021، وتحديدًا هيئة تنظيم الأصول الافتراضية (VARA) في عام 2023، مما يعكس حرصها على تطبيق معايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
كما شهدت الأسواق الأمريكية تطورات مهمة مع الموافقة على صناديق تداول البيتكوين (Spot Bitcoin ETFs) في يناير 2024، مما جذب تدفقات استثمارية ضخمة وصلت إلى حوالي 30 مليار دولار، كما أن شركات كبرى مثل MicroStrategy احتفظت بمخزون ضخم من البيتكوين (على سبيل المثال، 226,331 وحدة حتى يوليو 2024). رغم هذه التجارب العالمية، لا تزال العملات الرقمية في العراق تُعتبر تهديدًا، حيث يصفها مستشار البنك المركزي بأنها "احتيال هرمي" غير مستقر.
المستقبل المجهول وغياب التشريعات المُنَظِمة
على الرغم من غياب نص صريح يجرم التعامل بالعملات المشفرة، او يُخرجها من دائرة الأموال التي يجوز التعامل بها على الأقل، إلا أن البنك المركزي صنف التعامل بها على أنه جريمة تستوجب العقوبة وفق احكام قانون رقم 39 لسنة 2015 مكافحة غسل الاموال وتمويل الارهاب ما يعرّض المتعاملين بها لعقوبات تصل إلى 15 سنة سجن. والحقيقة أن العراق بحاجة إلى تشريعات جديدة تجرم التعامل بهذه الاموال على اسس موضوعية وليس على مجرد كونها عملة مشفرة ،لابد من التمييز بين التعامل المشروع للعملات الرقمية والتعامل غير المشروع بها والذي ينطوي على افعال تندرج ضمن الأفعال الاحتيالية أو المُضرة . ومن الواضح أن الحكومة العراقية ستستمر في منع تداول أو التعامل بعملة التشفير، وإخضاع أي تعامل بها لأحكام قانون مكافحة غسل الأموال رقم (39) لسنة 2015.
تحت مِجهر المحامي
من خلال استعراض النصوص القانونية قد يجد الباحث بأن هذا المنع يقتصر على البنوك، إذ إن ما يصدره البنك المركزي بوصفه جهة تنفيذية ذات سلطة مباشرة على المؤسسات المالية والمصرفية في العراق إنما يقتصر على تلك المؤسسات فقط وليس. إذ يظل التعامل بعملة التشفير جائزًا بطرق أخرى حتى يصدر البرلمان العراقي قانونًا يحرّم التعامل بها. ويرجع ذلك إلى أن قانون مكافحة غسل الأموال، عند تعريفه "للأموال" في المادة (1) الفقرة (خامسا)، نص على أن تعريف الأموال يشمل "جميع الأصول أو الممتلكات التي يتم الحصول عليها بأي وسيلة، مثل العملة الوطنية، والعملة الأجنبية، والحسابات الجارية، والاستثمارات المالية، أياً كان شكلها، بما في ذلك الأموال الإلكترونية أو الرقمية، والمعادن الثمينة... وكل ما له قيمة مالية... سواء كانت داخل العراق أو خارجه". وفقًا لهذا التعريف، يُعتبر تداول تلك العملات، بما فيها البيتكوين، جائزًا قانونًا؛ لكونها أموالًا يُمكن التعامل بها. ولا تُعد هذه المعاملات غسلًا للأموال، إذ يُحًدد جرم غسل الأموال بنص المادة (2) الفقرات (اولاً وثانياً وثالثا)، والتي تنص على أن غسل الأموال يتضمن "تحويل... أو إخفاء... أو اكتساب... الأموال بهدف التمويه، مع علم مرتكبها بأنه استحصالها ناجم عن جريمة". وهذا يعني بوضوح أن من يحوّل أو يكتسب عملات التشفير لا يُعتبر مرتكبًا لجريمة غسل الأموال إذا كان غرضه غير التمويه، طالما أن مصدرها غير مجهول.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد يفضّل المُعدّن عدم تداول العملات المتحصلة من عملية التعدين والاحتفاظ بها في محفظة خاصة لا تخضع لسيطرة البنوك العراقية، فهل يجوز تجريم فعل التعدين والحفظ على انها مشمولة بالمواد السابق ذكرها؟
لقد نص الدستور العراقي وقانون العقوبات العراقي على مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات إذ أن لا جريمة ولا عقوبة الا بنص ، وكذلك يُحظر استخدام القياس في تفسير القواعد القانونية الايجابية إذ ان القياس في القواعد العقابية يقتصر على القواعد السلبية فقط وبما أن الاصل في الاشياء الاباحة فهناك من يرى بأن معاقبة المعدن او المتداول بهذه العقوبات هو مخالفة صريحة للقانون، وهذا على افتراض ان المقصود بما جاء به تأكيد البنك المركزي على اعمامه المرقم (125/5/9) في 2022/3/29 والذي تقرر فيه منع استخدام البطاقات والمحافظ الالكترونية لغرض المضاربة والتداول هو التعدين والحفظ من قبل الاشخاص منازلهم او منشآتهم .
الخلاصة
رغم حظر البنك المركزي العراقي للتعامل بالعملات الرقمية، إلا أن غياب قانون واضح ينظم هذا المجال يترك فجوة قانونية تحتاج إلى معالجة تشريعية. فالعملات الرقمية أصبحت واقعًا اقتصاديًا عالميًا لا يمكن تجاهله، ولها تأثيرات مباشرة على الاقتصاد والأمن المالي، سواء من حيث المخاطر المحتملة أو الفرص الاستثمارية التي توفرها. من الناحية القانونية، لا يوجد نص صريح يُجرّم التعامل بالعملات المشفرة، إذ أن المنع الصادر عن البنك المركزي يقتصر على المؤسسات المالية الخاضعة لرقابته، مما يعني أن الاشخاص التي تتعامل خارج المؤسسات المصرفية غير ملزمة بهذا الحظر بشكل مباشر. كما أن تصنيف التداول المجرد للعملات الرقمية كجريمة وفق احكام قانون مكافحة غسل الأموال يطرح إشكالات قانونية ناهيك عن اعتبار امتلاكها أو تعدينها جريمة في حد ذاته. لذلك، يحتاج العراق إلى تشريع جديد ينظم العملات الرقمية بدلاً من الاعتماد على تعاميم البنك المركزي. وينبغي أن يحدد هذا التشريع الفرق بين الاستخدام المشروع وغير المشروع لهذه العملات، مع وضع آليات منظمة تحمي الاقتصاد الوطني من المخاطر المحتملة دون أن تعيق الابتكار والتطور التكنولوجي. كما يجب أن يتضمن إطارًا قانونيًا واضحًا يحدد مسؤوليات الأفراد والشركات، ويضع معايير للامتثال المالي والتعاملات الرقمية لضمان الشفافية ومنع الجرائم المالية. إن غياب التشريعات المنظمة يترك الباب مفتوحًا أمام التعامل العشوائي بالعملات الرقمية، مما قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية أو استغلالها بطرق غير مشروعة. لذا، أصبح من الضروري أن يتدخل المشرع العراقي لإيجاد توازن بين الحماية القانونية للمصلحة العامة وبين والتشجيع على التطوير في مجالات العملات الرقمية.
شركة النسور للاستشارات والخدمات القانونية
المحامي سيف وسام هاشم